-A A +A

الدراسة

غالباً ما يعد استخدام مصطلح "جرائم الشرف" خطأً فادحاً نظراً لنتائجه المأساويّة، والتي اصبحت مرادفا لقتل النساء – و غالباً ما تكون نساء يافعات صغيرات في السن. إن ارتكاب "جرائم الشرف" يتم من خلال الاستعانة بالثغرات الموجودة في نظام العقوبات الموضوع منذ القرن الثامن عشر، و قد أخذ مكانه في المجتمعات الّتي تتبنّى تعريفاً ضيّقاً للأخلاق، وفي تلك المجتمعات التي يأخد فيها الرجال على عاتقهم معاقبة النساء "المخطئات" ضمن عائلاتهم.
 يشعر الرجال الّذين يقترفون تلك الجرائم بأنّ أفعالهم مبررة، وبالتّالي لا تستحقّ العقاب. و لا تعتبر هذه المجتمعات هذا النوع من الجرائم على أنّها عمل يجلب الشّرف فحسب، بل والأسوأ من ذلك، فهي تمارس الضغط، والنبذ، والتجنّب، لاجبار العائلات المتواجدة في كنفهم على قتل بناتهم، أخواتهم، أمّهاتهم، أو بنات عمومتهم وأخوالهم.

بدأ مركز المعلومات والبحوث (IRC) في  النّظر في حالات قتل النّساء في الأردن  في عام 2002، وذلك عندما أجرى المركز دراسة موسّعة لصندوق الأمم المتحّدة الإنمائي للمرأة (UNIFEM)،  تم من خلالها الحصول على مؤشّرات  أثارت صدمة حول مستوى انتشار العنف ضدّ المرأة في الأردن من أفراد الأسرة الذكور. وقد كان عدد كبير من عمليات القتل هذه، تنتهك بإسم "جرائم شرف"، وتتهم فيها  النساء بالسلوك غير الأخلاقي، ويتم تخفيض عقوبة السجن للرجال الّذين ارتكبوا تلك الجرائم لمدّة لا تزيد على ستة أشهر في بعض الحالات.

في غضون ذلك ، جرى "حوار" بين كلّ من الدكتور يوسف منصور، من مركز المفرق للتنمية والبحوث والتحليلات الاقتصاديّة (MACDERA) ، والدكتور موسى شتيوي، من المركز الأردنيّ للبحوث الاجتماعيّة  حول امكانية دراسة هذه الجّرائم ضمن معادلة لمؤشّرات الفقر. وتساءلوا فيما إذا كان "الشرف" يصبح أكثر قيمة بين المجتمعات المحليّة والأسر الّتي تكاد لا تملك شيئا من الناحية الاقتصادية؟ و هل يمكن القول أن النّساء غير المتعلمات، المتعطلات عن العمل، وغير المتزوجات واللائي يعشن في منطقة فقيرة هنّ "أقل كلفة" للقتل من المتعلّمات، العاملات، والمتزوجات حتّى لو كنّ قد ارتكبن خطيئة؟ و هل يمكن ان يكون الشبّان القاصرون، غير المتعلّمين، و غير العاملين وغير المتزوجّين هم أقلّ تكلفة لاستخدامهم كمرتكبي جريمة القتل من ربّ الأسرة الّذي، إن سجن، فإن "تكلفة" ذلك على الأسرة ستكون أكثر بكثير.  يعتقد الدكتور منصور، الخبير الاقتصادي الّذي يطبّق الاقتصاد على مجموعة واسعة من القضايا الاجتماعية، أنّ هناك صلة مباشرة بين الفقر وما يسمّى بجرائم الشرف الّتي يجب دراستها. وفي الوقت نفسه، دافع الدكتور شتيوي -  وهو استاذ علم اجتماع ومتخصّص في قضايا المرأة عن أهميّة الضّغوط من قبل المجتمع، والعلاقة عبر التّاريخ بين سلوك المرأة وشرف العائلة في منطقة الشّرق الأوسط. وانضمّ مركز المعلومات والبحوث (IRC) مع هذين الشخصين البارزين في تقديم اقتراح دراسة للأسس الاقتصاديّة لما يسمّى بجرائم "الشرف"، على أن تموّل من قبل الممثل الأوروبي في الأردن عبر الآليّة الأوروبيّة للديمقراطيّة وحقوق الإنسان (EIDHR). وبعد أن تمّ قبول مقترح الدراسة، كجزء من مشروع متكامل، بدأ العمل الجادّ لإتمامها.

وكان العديد من الذين درسوا جرائم "الشرف" في الاردن من قبل، أو قاموا بتحليل هذه الظاهرة، قد أوصوا  بإجراء تعديلات في قوانين البلد لإغلاق كافة الثغرات القانونية، وجعل هذه الجريمة أكثر 'تكلفة' على مرتكبيها. ونظّمت العديد من حملات كسب التأييد وممارسة الضغوط وحشد الجهود من أجل تنظيم حملات توعية لتغيير عقلية الأفراد في المجتمع الاردني، ليس فقط تجاه ما يسمّى بجرائم "الشرف" فحسب بل لأنه الأهمّ، تجاه مفهوم الشرف بحد ذاته، وعلاقته بسلوك الفتاة نفسها ، بدلاً من أن يكون الشرف مقياسا لسلوك الفرد. و لقد تصدرت هذه الجهود الحملة للقضاء على ما يسمّى بجرائم "الشرف" في الأردن، وشكّلت خلفيّة لهذه الدّراسة.

لا يزعم مؤلّفو هذه الدّراسة أنّ كلّ قاتل يرتكب جريمته بسبب الفقر، كما أنّهم لا يدّعون أنّ كلّ ضحية عاجزة اقتصادياً. و ما تشير إليه الدراسة بوضوح أنّه، وإلى جانب تحليلات معقّدة لنظرة المجتمع لشرف العائلة ودور المرأة والأخلاق، فإن هناك إتجاها واضحا يقودنا مباشرة إلى الحالة الإقتصاديّة، وبشكل أكثر تحديداً لمؤشرات الفقر المعروفة. وإذا كان لهذه الدّراسة أن تقدّم توصية جديدة وفريدة من نوعها إلى صانعي السياسة اليوم، فهي موجهة إلى الحكومة لكي تهتمّ بتمكين المرأة اقتصادياً، وليس إلى تحسين مكانة المرأة الاجتماعيّة فحسب. وهذا يعني أنّ الحكومة بحاجة إلى إيلاء الاهتمام لخلق فرص عمل للمرأة وضمان مساواة في الأجور والحوافز بالنسبة للمرأة. و يجب أن تأتي هذه الخطوة الاقتصادية لتمكين المرأة جنبا إلى جنب مع جميع الخطوات والتوصيات اللازمة لوضع الآليّات الضروريّة لتوفير الحماية للمرأة في الأردن وتوفير المكان الآمن والفرصة التي تكون المرأة بحاجة لها.

كان لي شرف العمل مع اثنين من الشركاء البارزين والمميّزين، وقمت بقيادة فريق البحث من مركز المعلومات والبحوث (IRC)، وقد استحقّ الفريق كلّ الإعجاب، فقد عمل بجدّ لجمع وتوثيق كافّة البيانات لهذا البحث، على الرغم من التعقيدات اللوجستية، والحالة العاطفيّة والصدمات خلال مقابلات مع مرتكبي الجرائم في السجون، فضلا عن جدول زمني دقيق للجودة ومواعيد التسليم.و تعد هذه الدّراسة مساهمة في البحوث المتعلّقة بالمرأة والعلاقة بين الجنسين في الأردن، على أمل أن تسهم بدورها في تحسين ظروف النساء هنا أو حيثما ترتكب تلك الجرائم ضد المرأة باسم الشرف.

نرمين مراد

المدير العام
مركز المعلومات والبحوث
مؤسسة الملك الحسين بن طلال

 

تنزيل الدراسة: